Skip navigation

Passage_06A3215

شبه العدم هذا ، مثل غرفة واسعة بشبابيك عامودية وطويلة , تشتم رائحة الرطوبة في الجدران , في الخربشات التي تصنعها الريح عندما تعبر بين حديد النوافذ والاسمنت المتآكل لتستقر بين الكتف والعنق  ،
للأماكن أحيانا مذاق الكارثة ،تدور اللغة في الفضاء بشكل اهليليجي غير قابل للهدوء
اتصفح اذا الخرائط  كطفل لا يعرف القراءة ويبدو لي كل شيء ملون وعبثي ،
في كل مرة انتقل فيها من مكان الى اخر يلتف جسدي حول نفسي كغلاف من تقاطعات الجبال والمطر الغزير والثلوج والوديان والمدن المكتظة والروائح…  والغياب ،
في العام الاخير من الآن عشت في احدى عشر مكان مختلف،  متنقلة بين دولتين وخمس مدن ومجموعة من المنازل دائما ما تبدو مذعورة مني.
عندما وصلت الى الصحراء بداية سالني صديقي اذا كنت اشعر طاقة افريقيا؟ .. وانا ابنة دمشق برومنسية علاقتي مع البحر الفلسطيني، لم افهم  السؤال..بعد عام ونصف بدأت افهم بعض الحكايات .
الصحراء لاحقا كانت نافذة رملية قليلة الحركة، الا ان تندفع فجأة بكامل قواها نحو التطرف ..
تجعل من ظهري انحناء معاكس نحو السماء . ومع كل التناقضات لايمكن لجسدي ان يضيع في المساحات الهائلة،
وجودي حقيقي الى اقصى درجة تماما كما ان الصحراء كانت بحرا قبل ملاين السنين .. وجود البحر في داخلي وفي داخلها حقيقي،
سر الاماكن هو اللاثبات، هو الحكايات المتورطة داخل شوارع البلاد ، من البحر للصحراء للجبال الامازيغية , طرق العبيد والحرير والملح والصلاة .. وطرق الموت،
اللاثبات هو تكرار الفقدان،  وتكرار البدايات .
هناك دائما عطش قاسي في البدايات ، نوستلجي صاخبة حد العقم.. وقلق من المساحات اللونية المبرقعة
عري الجدران لا يمكن ان يكون مغري، الاماكن تصبح مغرية عندما تبدا بارتداء الحكايات واحدة تلو الاخرى
ومع ذلك هناك عري ناصع وهناك عري مقزز وفاسق .
اناشيد الليل قرب البحر في العاصمة الجزائرية كان مثل عمق البئر ، شهور متواصلة في ذلك المكان الرطب والضيق يتسبب لي بالاختناق ، قررت الرحيل وفي ذات اليوم علمت ان البناء كان سجن فرنسي قديم، عذّب فيه مئات الجزائريين.
بكيت بعدها لثلاث ايام متواصلة، ذلك المكان كان متاهة لروحي، وكان الهدى في نفس الوقت .
المدن هي اكوام ثقيلة من الاسمنت والحجر، ملونة ومشققة مثل الحراشف، الحب وحده ما يجعل كل هذه االمكعبات الثقيلة قابلة للاستيعاب والتحمل ، عليك ان تنحني وتحرس حكاياتها كجندي نبيل يخطط لانقلاب عاطفي على سلاحه الوحيد ، تتضائل اللغة مرة اخرى ويعيش صامتا على اللمس والاصغاء،
الفقدان هو مصيرنا الجمعي،  والبدايات هي هواية المتعبين الباحثين عن الدهشة ،
افقد مجددا لغتين والشمس الملتهبة وعشرات الحضارات القديمة ، يحاصرني البحر ولكن بجفاف ، هنا يوجد تحت القدمين جليد قد يتشقق اذا صادف عين السلمون الوردي ، سكون معدني لامع ، اغطية الاسرة بيضاء وريح جافة ، ووتعجز عن تسمية المدينة بهي او هو ،
درجة قرب السماء والوانها ليلا بعد نهار مثلج ساحرة الى حد لا يطاق، اغلق عيني بسرعة لان كمية الضوء والالوان الفضائية لا تتناسب رياضيا مع شراهتي , كان ينقصني الاوكسجين المعبأ بانابيب حديدية فوق سرير في غرفتي ، من الصعب تحويل مشفى قديم الى مركز سكني وتجاهل هويته السابقة ، كنت ادخل الى الحمام واجلس على كرسي المخصص للمرضى العاجزين عن الوقوف واحك جلدي المصاب بطفح التساؤلات،
المكان الاخر لم يكن طفحا , كان جرحا مضحكا ، فكرت كثيرا بما يعنيه الجنون ، الجنون هو نشاط طبيعي لتعريف الحياة خارج القواميس ، تسائلت كثيرا عن علاقة اللون الاصفر للابواب بغرف المجانين القديمة ،
لم يسالني احد عن طاقة اسكندنافيا ، لم يمر من هنا طريق المهرجان ، طريق الزجاج فقط يسيطر على كل شيء .
اكتب الان في حديقة المنزل الخلفية ، منزل قديم يعود الى طبيب ، وامامي مجموعة من الدجاجات تجري فوق الرقعة المخصصة التي كان يدفن فيها الطبيب البقايا البشرية ، جميل هذا المنزل ، ولكن البدايات دائما اجمل .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: