تخطي التنقل

صورة 2 . سلسلة اللاجئ

صورة 2 . سلسلة اللاجئ

منذ الاكتشاف الأول للحواس والرغبات والعواطف، ونحن نستحق الكثير من الأمور البشرية غير الملموسة والتي يصعب الحديث عنها غالباً أو المطالبة بها بوضوح.. عندها تبدأ المشكلات النفسية والعاطفية والاجتماعية..  والأشخاص الأذكياء دائما ما يجدون التوازن ضمن المحيط من خلال الأفراد المناسبين من أصدقاء أو شركاء، ولكن مع اختلال توازن ذلك المحيط يختل التوازن بأكمله..

منذ عام كامل وأنا بعيدة عن بيتي في سوريا بعيدة جداً في مكان آخر وثقافة مختلفة ولغة ايضا مختلفة،يختل توازن كل شيء.. وفي هذه المرحلة الصعبة يتحول الكائن البشري إلى كائن حساس جدا ويحتاج إلى الكثير من الاهتمام والتعاطف وإيجاد نقاط قوة تعيد له التوازن..
لم أستغرق الكثير من الوقت للحصول على أصدقاء جدد واصطدم بعلاقة حب كنت أجهز لها أن تكون عابرة وسريعة وتفاجأت بأني سعيدة وأستمر بها منذ 7 شهور متواصلين،  وجدت القليل من التوازن لكن بصراحة في الفترة الاخيرة كانت العلاقات المريحة لي تماما هي علاقتي بأصدقائي السابقين في سوريا واللاجئين مثلي في مناطق أخرى..
كنت أعتمد نظرية النكران والتأقلم لكن المشاكل تستمر في الظهور والثغرات الثقافية والاجتماعية تستمر في إثبات وجودها وتدمير أي محاولة للتأقلم وبناء حياة جديدة ..
وبالرغم من جميع الاسئلة الصعبة التي تجتاح العلاقات بخصوص المستقبل مازلت أتعامل معها على أنها حقيقية جداً وموجودة وإن كانت السنوات التالية مجهولة تماماً بالنسبة لي ..
لم اجد الجواب المناسب.. هل انا لاجئة مؤقتة أم ستتحول حياتي كما الفلسطينيين الذين خرجوا من فلسطين في 48 وتوفوا في سوريا وهم يحملون مفتاح البيت التعيس..
كل ذلك وأكثر يسبب قلق في العلاقات الاجتماعية.. الحميمية منها خصوصا ..
مما ينتهي بحال اللاجئ فوق جميع مآسيه بلا علاقة حميمية وبلا عاشق\ة مناسب\ة…

للمهتمين هنا الأسباب بوضوح اكثر :

أولا :
قلق الهوية والانتماء :
عندما يرحل اللاجئ وهو يحمل ملابسه الشخصية والقليل من ذكرياته تفاجئه الشعوب والبلاد الأخرى بدرجة الاختلاف الثقافي واللغوي.. وكل ما تعود عليه يصبح غبار ويبدأ بحمل هموم جديدة على كتفيه أولها التأقلم مع النمط الجديد للحياة ..  كيف نشتري الخبز؟  ومن اين احصل على الخضار الجيدة؟  كيف ازيد رصيدي في الموبايل؟ وكيف أ ُركب الجملة المناسبة لأتحاشى  الاسئلة الشخصية التي سوف تنهمر علي عند معرفتي بأني “براني”..
يؤثر ذلك كثيرا على صنع العلاقات الانسانية بين اللاجئ والمجتمع الجديد لأنه يواجه الكثير من المواقف التي تعكر عليه يومه منها العنصرية ومنها الفضول الصك ومنها التجاهل التام .

ثانيا :
مرحلة من التغيرات الكبرى في الشخصية :
خلال بداية الثورة ومن ثم وصول الاخوان وتصعد العنف وتحول الاحلام الجميلة الى كوابيس مغلق علينا جميعا بكيس اسود تتغير الكثير من المبادئ والافكار الشخصية ..بالعموم تتغير الرؤية الكاملة للحياة وقيمة الوقت والعلاقات خصوصا..
وحتى قلق الموت يلعب دور كبير في استغلالنا لتفاصيل الحياة فيزداد عدد مناصري العدمية.. “ان علموا ذلك او لم يعلموا “..
فيصبح استغلال اللحظة من اهم المبادئ اليومية التي تفرض نفسها على علاقاتنا الحميمية التي نحبها قصيرة المنظور غالبا ..

ثالثا :
القصص المثيرة والمملة :
الخارج من الموت والحرب الى بيئة مسالمة نسبيا لديه الكثير من الحكايات المثيرة والمغامرات التي يستطيع الاستفادة منها بإيجابية  في اضافة عنصر الإبهار والمفاجئة الى علاقاته الجديدة ولكن من سوء حظه فإنه في المقابل لا يحصل على قصص مثيرة جديدة ليسمعها سوى القصص اليومية السخيفة والمشاكل السطحية التي لا ترتقي الى قلق وجدلية الحياة التي توصل لها اللاجئ ..

رابعا :
تعامل الآخرين مع اللاجئ على انه شخص راحل:
يقنع الكثيرون انفسهم بأن اللاجئ قادر نتيجة ظروفه التي لا يد له بها أن يرحل ويبدل أماكنه وأنه ايضا نتيجة ذلك تتبدل قيمة الأشياء بالنسبة إليه وتقل درجة تعلقه بها بالتالي تتجه العلاقات في اتجاهين عموماً .. اما ان تكون دراماتيكية مليئة بالعواطف في حال الرحيل المفاجئ او تكون علاقة بسيطة وحذرة ومحدودة ..

خامسا :
الاختلاف الثقافي واختلاف التجربة الشخصية :
في الحقيقة ان الاختلاف الثقافي ليس بأحد الاسباب التي تساهم في تكوين مشكلة على العكس يلعب الاختلاف الثقافي على وتر حب المعرفة فيتحول الى شيء جميل في الظروف الطبيعية
لكن القلق الوجودي الذي تخلقه الحرب وتابعاتها تكرس التفاصيل الشخصية وتعطيها قيمة أكبر من الظروف العادية .. لأنها تزيد من جاذبية المكان الاصلي والعادات اليومية وتعطي للتجارب الشخصية مع الأصدقاء والحرب واللجوء والذاكرة حساسية اكبر .. ومن الواضح انه لايمكن فهمها الا من خلال تجربتها فعليا .. فان عدم فهم تلك التجارب جيدا يخلق الضيق الذي لا يمكن تحديد سببه في جمله لغوية واضحة ..

سادسا :
الوضع المالي لللاجئ وجهله بالأماكن المناسبة :
يتعامل اللاجئ مع المادة بحذر واغلب اللاجئين لا يحصلون على عمل بسرعة قد يستغرق ذلك شهور طويلة او اعوام فيضاف ذلك الى مجموعة تساؤلاته ومشاغله بالإضافة الى جهل اللاجئ بالأماكن المناسبة لشرب القهوة التي لا ترافقها فيروز غالبا والمطاعم التي تناسب ذوقه ووضعه المادي كل ذلك يجعل اللاجئ يشعر انه محاصر ولا يمكنه التصرف بعفويته ودون اللجوء الى مساعدة الاخرين ..

سابعا:
احلام اللاجئ وطموحه:
ببساطة لايوجد لاجئ واحد قد اتخذ قراره النهائي تجاه مستقبله .. فقد نزع منه اصلا ما كان قد خطط له سابقا .. دائما هناك الكثير من الإحتمالات التي تحاصر حريته .. الرحيل الى اوربا .. سابحا .. عريانا .. عبدا في مطعم .. الرحيل الى بلد عربي يعرف دائما انه اقل قيمة من حياته السابقة .. او الانتظار يائسا حتى ينتهي كل شيء ويعود الى بيته
لذلك لا يستطيع ان يقرر ان كان بإمكانه ان يؤسس ما يربطه في المكان الجديد عاطفيا او لا..  ويحاول دايما ان يغامر لكنه لا يعرف الجواب فعليا ..

ثامنا:
ان لم توجد كل تلك المنغصات السابقة فهناك تفاصيل اكثر دقة لابد من وجودها
وهي الاكثر شيوعيا ..
مثل استخدام المفردات المناسبة في الأحاديث العميقة :
دائما ما تأخذ المفردات معاني معينة ورموز خاصة تختلف من جماعة الى اخرى ومن بلد الى اخر وهذه النوع من المفردات تشكل عائق في توصيل المعنى المناسب في لحظات محرجة.

تاسعا:
طريقة الغزل والاشارات الجسدية :
هي ايضا تختلف وتواجه صعوبة في فك الرموز الجديدة والاعتياد عليها في الوقت الذي يستعيض عنها بالكلام الواضح مما يشكل ايضا ضيق جديد لا يمكن التحدث عنه بجمل لغوية واضحة .. فيكتشف اللاجئ ان مفهوم الرومنسية هو ايضا نسبي ..

عاشرا:
كمية المساواة بين المرأة والرجل :
المجتمع السوري والفلسطيني ليس اشتراكي وليس برجوازي والتعامل مع المرأة يخلط بين الكثير من المفاهيم والمعاني .. في العلاقة الجيدة غالبا ما تعامل باحترام شديد بدلال الملكة واحيانا تعامل كشريك متساوي .. لكن سرعان ما تلاحظ خارجا بان النمط الواحد مسيطر على رؤية المرأة بشكل عام .. اما البرجوازية المقرفة .. او الاشتراكية والمساواه البحتة الجامدة واما التابعية ..  مما يسبب تلبك معوي في بعض المواقف الاجتماعية والتصرفات الحميمية.

الحل الوحيد لهذه المشكلات ان يفهم اللاجئ انه  كائن مربك بمشاكله وحساسيته وامتلاكه عالمين في رأسه وليس الاخرين هم سبب كل هذه المشاكل … بإمكانه ان يكون صديق نفسه ويضحك بينه وبين نفسه على كثير من الأمور بدون تحويلها الى مشاكل خطيرة.. وعليه ان يتنازل عن بعض التفاصيل ويتأقلم مع تفاصيل اخرى والا فإن كل اللاجئين سيعلقون في مشاكل عاطفية عويصة..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: