تخطي التنقل

الكوكب كله لا يعنيني الآن .. الغثيان ورائحة السمك المقلي تاكل رأسي.
هكذا تجد نفسك في منزل عجوز تشكي وتقلي السمك ليلا لتنام بعدها في غرفتها المرفهة ويكون نصيبك في ارض الصالون المغموم بالزيت . واضحك مع نفسي واقول ماذا لو سقطت هذه التريا فوق بطني الان وانقذتني بسوريالية من كل هذا الغثيان المقيت..
الان فهمت لماذا لم نكن ناكل السمك صيفا .. لانه يتجه مباشرا الى بصلة العنق او الى القلب فيعتصره جيدا ..
يعجبني بالكبار سنا انهم دائما يعتقدون انهم يمتلكون حقيقة كل الاسرار .. ولديهم من الذاكرة والحكايات ما يدهش الاطفال مثلي..
ثلاثة امسيات كانت تكفي لتعرف تاريخ الجزائر بتفاصيل الروايات الشعبية المتوارثة الحقيقية منها المخفية عن الكتب المدرسية والسوريالية التي تعلم جيدا ان مبالغتها لا تمت للعالم بصلة .
تسمع بكل ما اوتيت من قوة وتدخن كما يحلو لك معها لان التبغ ياتي مرافقا جيدا للقلق او الحماسة او الاسطورة او الشكوى..
وتكون على يقين ان كل ما نتنفسه منذ الصغر ملوث وهذه السجائر الجميلة على الاقل لا تسبب سرطان في العاطفة او الحنين ..
هذه المرأة هي الوحيدة التي جعلتني اندم لاني تركت اوربا وعدت الى الجزائر او لاني خرجت من بيتي في سوريا اصلا ..
كل ما بنيته من جمال في السنة التي امضيتها هنا بدأ يصاب بالتوتر لاني لم اعلم ان كان قد ازداد او نقص  ..
كان جسدي في القطار القديم يرتجف بسبب السكة وكنت ابكي لاني ادركت ان الغربة بدأت تحفر وتشوه وجهي..
وان عاطفتي المتورطة بفعل الوجود تنفي مباشرةً عدمية الحرب او الاستثناء التي كنت اعيش عليها ..
احب الجزائر لاني لم اكن اتوقع انها تعرف الميترو والترام واي قبل ان تعرفها دمشق ..
ولانه في دمشق لم اسمع يوما مخبولا في الطريق يعبر عن مشاعره بحرية و يصرخ باعلى صوته : لي جون راني زعفان (ياناس انا زعلان) ويكررها حتى يبدأ الصوت يبتعد اكثر فاكثر ثم يختفي في الشارع الاخر ..
في الجزائر فقط  أؤمن بالطاقة الموصولة بين البشر مع بعضهم وبينهم والارض والنبات والحيوانات والطقس الجوي ..
منذ شهر تقريبا كنت على موعد مع حبيبي الذي لم اره منذ 3 اسابيع جيدا اسمع الموسقى في الباص واحرك اصابعي فرحا وكانت تنظر الي عجوز في عيني وانا اقف في الباص وبدأت تبكي .. قالتلي : ارواحي تريحي في بلاصتي (تعالي اقعدي مكاني ) قلت لها وانا اضحك اني مازلت في شبابي واستطيع الوقوف .. ثم فهمت لما دمعت عيناها واعطتني مكانها عندما قالت لي ان مايقلقها ليس جسدي وانما قدرة عيني في كتمان كامل تعبي وانا في هذه السن..
تفاجئت وشعرت بالخوف لاول مرة خصوصا عندما مسكت يدي واجلستني ثم ادارت وجهها وتركتني لأسئلتي التي لا معنى لها وكنت اشعر بها تمس شعري باطراف اصابعها ثم تتوقف ..
منذ ذلك اليوم بدأت افكر ان العدمية حول الكثير من الامور من اجل الحصول على التوازن هي ليست الا جواب فاشل في رؤية العالم . واعلم جيدا اني اقتل نفسي ببطئ في هذه البلاد وبهذه الافكار .. واواسي نفسي بان هذا كله بسبب السمك ليلا والغثيان
وان صباحا كمية الحرارة والرطوبة البحرية سوف تنسيني كل شيء ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: