تخطي التنقل

لم أتأخر كثيراً عن المنزل، ما زالت الساعة السابعة وعشر دقائق مساءً.
تؤلمني يداي بسبب الصقيع قليلاً، وبسبب العتمة أكثر.
كنت أخشى أن يكون هذا الطريق المؤدي إلى غرفتي الصغيرة مجرد انعكاس للكثير من الطرق المتشابهة في أماكن أخرى. رغم ذلك، أبتسم؛ فهكذا يحمل مخيم اليرموك مصادفةً رائحة العتمة والجرذان المتنقلة في شاتيلا، والكثير من رائحة الأزقة المعتمة والرطبة في دمشق القديمة، وبإمكانه أن يحمل صقيع مخيم الرَّمل، وفي الوقت نفسه يستطيع تدفئة ملامحه بصعوبة كما أخبئ أصابعي في شعري، لعل تلك الحميمية بين تفاصيلي تمنع تجمدي. لست أنا فقط، بل كل تفاصيل البلد تمنع تجمده؛ لأن ذلك الرتل الطويل من الأشخاص المنتظرين حصولهم على الغاز يولد الكثير من الطاقة، وفسيفساء الأحداث السياسية المدماة بدرجات مختلفة لا تهدأ، تركض نحونا بسرعة ونكتشف لاحقاً أننا نصطدم بها كلما حاولنا الهروب. ثم أصل إلى البيت ولا يفاجئني ما يحمل به هذا الشهر من تواريخ متعبة.
تقصدني العتمة هنا أيضاً، تتسلل إلى رئتي كما يفعل الموت في شوارع مشابهة. رئتي التي امتلأت بوجوه سمراء لم تعد تقوى على الارتفاع عندما أتنهد، لكن تستطيع أن تكون بكامل قواها عندما تشم رائحة الأزقة.
يفصل 3 أيام فقط بين ذكرى اعتبار القدس عاصمة «إسرائيل» في 11 ديسمبر 1948، وبين ضم الجولان للأراضي «الإسرائيلية» 15 ديسمبر 1981
ربما لا يفرقنا الكثير.
3 أيام فقط، أولها الحدود، ثانيها المصالح، ثالثها أوراقي الثبوتية.
لكن بجميع الأحوال، لم تمنعني أوراقي الثبوتية من أن أحلم كل يوم بأني اقتربت من نافذتي وفتحتها، ثم استنشقت هواء دمشق وصرخت بأعلى صوتي.
واحد واحد واحد… فلسطيني سوري واحد
.
.
.
منشورة في جريدة الاخبار 19-3-2012
هون

Advertisements

One Comment

  1. استمري بالكتابة
    رائع


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: